مقدمة
يُعدّ شرط التحكيم من أهم البنود التي تحظى باهتمام خاص عند صياغة العقود التجارية والاستثمارية، إذ يُحدد مسبقاً آلية تسوية النزاعات التي قد تنشأ بين الأطراف. وتزداد أهمية هذا الشرط في العقود ذات القيمة العالية والاتفاقيات الدولية، حيث يرتبط اختيار التحكيم باعتبارات تتعلق بالسرعة والمرونة والسرية واختيار المحكمين والقانون الواجب التطبيق.
مع ذلك، فإن إدراج شرط التحكيم في العقد يثير عدداً من المسائل القانونية عند نشوء نزاع حول صحة العقد نفسه. إذ قد يلجأ أحد الطرفين إلى الطعن في صحة العقد أو فسخه أو إنهائه، مما يثير التساؤل: هل يُبطل ذلك شرط التحكيم الوارد فيه؟ وهل يجوز لهيئة التحكيم النظر في النزاع المتعلق بصحة العقد أصلاً؟
وعلى العكس من ذلك، قد يكون شرط التحكيم نفسه غير صالح، مما يثير سؤالاً آخر: هل يؤثر عدم صلاحيته على العقد الأصلي الذي يحتوي عليه؟
تستند الإجابة على هذه الأسئلة إلى مبدأ أساسي في قانون التحكيم: مبدأ استقلالية شرط التحكيم، والذي يعني أن شرط التحكيم يُعامل كاتفاق مستقل عن بنود العقد الأخرى. وبناءً على ذلك، فإن أي عيب يمس العقد الأصلي لا يمتد تلقائيًا إلى شرط التحكيم، كما أن بطلان شرط التحكيم لا يُبطل العقد نفسه من حيث المبدأ.
أقرّ المشرّع المصري هذا المبدأ صراحةً في المادة 23 من القانون رقم 27 لسنة 1994 بشأن التحكيم في المسائل المدنية والتجارية. كما أكدته محكمة التمييز المصرية في حكم صدر مؤخراً بتاريخ 5 مايو 2025.
أولاً: إمكانية فصل شرط التحكيم عن العقد الأصلي وأثر بطلان العقد
يستند مبدأ قابلية فصل شرط التحكيم إلى الفكرة الأساسية القائلة بأن شرط التحكيم، حتى عند إدراجه ضمن أحكام العقد الأصلي، له وجود قانوني مستقل عن الأحكام الأخرى لذلك العقد.
وقد حسم المشرع المصري هذه المسألة صراحة في المادة 23 من القانون رقم 27 لسنة 1994 بشأن التحكيم، والتي تنص على ما يلي:
"يعتبر شرط التحكيم اتفاقاً مستقلاً عن الشروط الأخرى للعقد، ولا يؤثر بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه على شرط التحكيم، شريطة أن يكون هذا الشرط صحيحاً في حد ذاته."
وبناءً على ذلك، فإن بطلان العقد الأصلي لا يبطل في حد ذاته شرط التحكيم.
وبالتالي، إذا كان عقد البيع أو البناء أو التوريد أو الاستثمار أو أي معاملة أخرى يحتوي على شرط تحكيم صحيح، وادعى أحد الأطراف لاحقًا أن العقد باطل لسبب يتعلق بتكوينه أو موضوعه أو سببه أو سلطة أحد ممثليه، فإن هذا الادعاء لا يبطل شرط التحكيم في حد ذاته.
إن الأساس القانوني وراء ذلك واضح: إذا كان الطعن في العقد كافياً لإلغاء شرط التحكيم، فإن أي طرف يسعى إلى تجنب التحكيم يمكنه التحايل على اتفاقه بمجرد رفع دعوى قضائية تسعى إلى إبطال العقد.
وبناءً على ذلك، فإن قابلية فصل شرط التحكيم تؤدي وظيفة أساسية في حماية اتفاق الأطراف على التحكيم ومنع إحباطه بمجرد الطعن في صحة العقد الأصلي.
لا يعني هذا أن شرط التحكيم لا يمكن أن يكون باطلاً مطلقاً. بل يجب أن يستند بطلانه إلى سبب يؤثر على شرط التحكيم نفسه، وليس مجرد عيب يؤثر على العقد الذي ورد فيه.
لذلك، فإن السؤال القانوني ليس ببساطة: "هل العقد صحيح؟" بل هو أيضاً: "هل شرط التحكيم نفسه صحيح ومستقل عن العيب المزعوم؟"
ثانياً: هل يمكن لهيئة التحكيم أن تقرر بطلان العقد؟
من أهم النتائج العملية لفصل شرط التحكيم أن النزاع المتعلق ببطلان العقد نفسه لا يقع تلقائيًا خارج نطاق التحكيم.
في حالة وجود اتفاقية تحكيم سارية، يجوز إخضاع النزاع المتعلق بصحة العقد الأصلي للتحكيم، شريطة أن يندرج ضمن نطاق اتفاقية التحكيم.
يرتبط هذا ارتباطًا وثيقًا بمبدأ أساسي آخر من مبادئ قانون التحكيم: مبدأ الاختصاص-الاختصاص (Kompetenz-Kompetenz)، والذي يعني سلطة هيئة التحكيم في البت في المسائل المتعلقة باختصاصها، بما في ذلك وجود اتفاقية التحكيم وصحتها ونطاقها.
وقد اعتمد المشرع المصري هذا المبدأ في المادة 22 من قانون التحكيم، مما يسمح لهيئة التحكيم بالنظر في المسائل المتعلقة باختصاصها، بما في ذلك الاعتراضات المتعلقة بوجود أو صحة اتفاقية التحكيم.
تتجلى أهمية هذا المبدأ عندما يدّعي أحد الأطراف بطلان العقد الأصلي، وبالتالي بطلان شرط التحكيم الوارد فيه. في هذه الحالة، لا يمنع مجرد الادعاء بالبطلان هيئة التحكيم من النظر في النزاع، بل يجب عليها فحص صحة اتفاقية التحكيم بشكل مستقل.
هذا هو جوهر العلاقة بين قابلية فصل شرط التحكيم والاختصاص المتبادل.
إن قابلية فصل شرط التحكيم تمنع العيب الذي يؤثر على العقد الأصلي من أن يمتد تلقائيًا إلى شرط التحكيم، في حين أن مبدأ الاختصاص المتبادل يسمح لهيئة التحكيم بتحديد وجود وصحة اختصاصها الخاص في حدود ما يحدده القانون واتفاق الأطراف.
وبناءً على ذلك، عندما يتعلق السبب المزعوم للبطلان بالعقد الأصلي ولا يمتد إلى شرط التحكيم نفسه، فإن هذا العيب لا يمنع هيئة التحكيم من الاستمرار في ممارسة اختصاصها في النزاع.
ثالثًا: أثر بطلان شرط التحكيم على العقد الأصلي
إذا لم يؤدِ بطلان العقد إلى إبطال شرط التحكيم الصحيح، فقد ينشأ سؤال في الاتجاه المعاكس: هل يؤدي بطلان شرط التحكيم إلى إبطال العقد الأصلي الذي يحتوي عليه؟
والإجابة، من حيث المبدأ، هي أيضاً: لا.
إذا نصت المادة 23 على أن شرط التحكيم هو "اتفاق مستقل عن الشروط الأخرى للعقد"، فإن نتيجة هذه القابلية للفصل هي أن العقد الأصلي لا يتأثر تلقائيًا بعيب يؤثر على شرط التحكيم.
وبالتالي، إذا تبين أن شرط التحكيم نفسه غير صالح لسبب قانوني مستقل، فإن النتيجة المباشرة هي بطلان اتفاقية التحكيم وعدم إمكانية الاعتماد عليها كأساس لإلزام الأطراف بإحالة نزاعهم إلى التحكيم. ولا يؤدي ذلك بالضرورة إلى بطلان العقد الأصلي برمته، بما في ذلك جميع بنوده والتزاماته.
بمعنى آخر، فإن قابلية فصل بند التحكيم تعمل في كلا الاتجاهين:
إن بطلان العقد الأصلي لا يبطل في حد ذاته شرط التحكيم الصحيح.
وعلى العكس:
إن بطلان شرط التحكيم لا يبطل العقد الأصلي في حد ذاته.
في كل حالة، يكون العامل الحاسم هو العيب الذي يؤثر على الاتفاقية المعنية ومدى تأثيره القانوني على تلك الاتفاقية.
يوضح هذا النهج أهمية النظر إلى شرط التحكيم باعتباره اتفاقية إجرائية مستقلة، أو اتفاقية مستقلة لحل النزاعات، بدلاً من مجرد كونه بندًا تابعًا يعتمد وجوده كليًا على صحة الأحكام المتبقية من العقد.
وقد انعكس هذا الفهم أيضاً في قواعد عدد من مؤسسات التحكيم الدولية، التي اعتمدت مبدأ فصل اتفاقية التحكيم عن العقد الأصلي، بما في ذلك القواعد التي تحكم التحكيم التجاري الدولي.
رابعاً: مبدأ الفصل في التحكيم الدولي وتطبيقاته العملية
لم ينشأ مبدأ استقلالية شرط التحكيم في التشريعات المصرية وحدها، بل أصبح مبدأً راسخاً في التحكيم التجاري الدولي، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم منح هيئات التحكيم سلطة تحديد اختصاصها.
ويمكن ملاحظة أهميتها في قواعد التحكيم الدولي وفي التطبيقات العملية لهيئات التحكيم، بما في ذلك النزاعات التي يتم النظر فيها في إطار غرفة التجارة الدولية (ICC).
تضمنت إحدى القضايا التي نوقشت في هذا السياق نزاعاً تحكيمياً بين شركة إيطالية وشركة سويسرية. طعنت الشركة الإيطالية في اختصاص هيئة التحكيم التي تتخذ من زيورخ مقراً لها، بحجة أن العقد الأصلي باطل، وبالتالي فإن شرط التحكيم الوارد فيه باطل أيضاً.
رفضت هيئة التحكيم هذا الاعتراض وأكدت اختصاصها على أساس قابلية فصل اتفاقية التحكيم عن العقد الأصلي والقواعد التي تحكم تحكيم غرفة التجارة الدولية.
كان جوهر موقف المحكمة هو أن بطلان العقد الأصلي أو عدم وجوده لا يؤدي في حد ذاته إلى إلغاء اتفاقية التحكيم، شريطة أن تكون اتفاقية التحكيم صحيحة ومستقلة، وأن تظل هيئة التحكيم مختصة بالنظر في حقوق ومطالبات الأطراف الناشئة عن العقد.
وقد ظهرت النتيجة نفسها في طلبات التحكيم الأخرى أمام غرفة التجارة الدولية، مما يعكس نهجًا راسخًا في التحكيم التجاري الدولي لا يعتبر شرط التحكيم مجرد ملحق للعقد الأصلي.
يرتبط هذا النهج أيضاً بمبدأ الاختصاص المتبادل الذي اعتمدته العديد من الصكوك والقواعد الدولية. وقد منحت بعض الاتفاقيات الدولية هيئات التحكيم سلطة البت في المسائل المتعلقة باختصاصها ووجود اتفاقية التحكيم وصحتها، بما في ذلك الاتفاقية الأوروبية للتحكيم التجاري الدولي لعام 1961 واتفاقية واشنطن لعام 1965.
أما بالنسبة لاتفاقية نيويورك لعام 1958، فعلى الرغم من أهميتها الأساسية في الاعتراف باتفاقيات التحكيم الأجنبية وإنفاذ قرارات التحكيم، إلا أنها لم تؤسس بشكل صريح ومباشر مبدأ قابلية فصل بند التحكيم بالطريقة التي اعتمدتها لاحقاً بعض القوانين الوطنية.
أثار هذا الأمر تاريخياً جدلاً فقهياً حول الأساس القانوني لتطبيق مبدأ الفصل في بعض الأنظمة القانونية. إلا أن الموقف في مصر أصبح أكثر وضوحاً بعد سنّ قانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994، الذي نصّ صراحةً في المادة 23 على فصل شرط التحكيم.
وبناءً على ذلك، فإن تطبيق المبدأ في النظام القانوني المصري لم يعد يتطلب استخلاصه بشكل غير مباشر من الاتفاقيات الدولية؛ بل أصبح له أساس تشريعي صريح ومباشر.
خامساً: موقف محكمة النقض المصرية وأهمية صياغة شرط التحكيم
أكدت محكمة التمييز المصرية بوضوح مبدأ انفصال شرط التحكيم في حكمها الصادر في 5 مايو 2025 في الاستئناف رقم 21837 لسنة 94.
نشأ النزاع من دعوى رُفعت أمام محكمة القاهرة الاقتصادية، طالبت بإصدار حكم يُبطل عقد بيع، حيث تضمن العقد شرطًا للتحكيم. استند الطرف الآخر إلى وجود شرط التحكيم، إلا أن الحكم المطعون فيه رفض هذا الاعتراض على أساس أن الدعوى تتعلق ببطلان العقد نفسه.
إلا أن محكمة النقض رأت أن هذا النهج يتعارض مع المادة 23 من قانون التحكيم وأكدت أن شرط التحكيم هو اتفاق مستقل عن الشروط الأخرى للعقد، وأن بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه لا يؤثر على شرط التحكيم إذا كان الشرط صحيحًا في حد ذاته.
وأكدت المحكمة كذلك أن هذه القاعدة تنطبق سواء ظهرت اتفاقية التحكيم كاتفاقية منفصلة أو كبند ضمن العقد الأصلي.
في القضية محل الاستئناف، ثبت أن شرط التحكيم الوارد في المادة 18 من العقد صحيح في حد ذاته، وأنه لم يثبت وجود أي عيب يؤثر عليه بشكل مستقل. ولذلك، لا يمكن أن يمتد العيب المزعوم في العقد الأصلي إلى شرط التحكيم.
وبناءً على ذلك، ألغت محكمة النقض الحكم المطعون فيه، ثم أصدرت حكمها في جوهر القضية برفض الدعوى بسبب وجود شرط التحكيم.
تكتسب هذه القضية أهمية عملية كبيرة عند صياغة ومراجعة العقود التجارية والاستثمارية، لأنها تؤكد أن شرط التحكيم ليس مجرد بند شكلي يمكن اعتباره ثانوياً، بل هو اتفاق يمتلك وجوده القانوني المستقل وأثره الخاص.
وبناءً على ذلك، ينبغي أن تتناول صياغة بند التحكيم بعناية نطاق النزاعات التي يغطيها، ومقر التحكيم، والقواعد الإجرائية المعمول بها أو مؤسسة التحكيم، وعدد المحكمين وطريقة تعيينهم، والقانون الواجب التطبيق، وذلك حسب طبيعة العلاقة التعاقدية.
ينبغي أيضًا مراجعة البند من منظور آخر لا يقل أهمية: ضمان صحته وقابليته للفصل وقابليته للتنفيذ، بحيث لا تتحول النزاعات حول صياغته إلى نزاع إضافي يتعلق بالاختصاص القضائي قبل معالجة جوهر النزاع الأساسي.
خاتمة
يُعدّ مبدأ استقلالية شرط التحكيم أحد الركائز الأساسية للتحكيم بموجب القانون المصري والتحكيم التجاري الدولي. ويعني هذا المبدأ أن شرط التحكيم يتمتع بوجود قانوني مستقل عن العقد الأصلي، سواء أكان جزءًا منه أم في اتفاقية منفصلة.
وبناءً على ذلك، فإن بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه لا يبطل في حد ذاته شرط التحكيم الصحيح، تمامًا كما أن بطلان شرط التحكيم، باعتباره اتفاقًا مستقلاً، لا يبطل في حد ذاته العقد الأصلي إذا كان هذا العقد يستوفي متطلبات صحته.
تتجلى أهمية هذا المبدأ بشكل خاص عند نشوء نزاع حول صحة العقد. فمجرد الاعتماد على عدم صحة العقد لا يكفي لتجاهل شرط التحكيم؛ بل يجب فحص صحة اتفاقية التحكيم نفسها ونطاقها في ضوء مبدأي الفصل والاختصاص.
إن حكم محكمة النقض المصرية الصادر في 5 مايو 2025 يقدم تأكيداً عملياً لهذا النهج ويوضح أن شرط التحكيم الصحيح يظل ساري المفعول وينتج آثاره القانونية حتى عندما يكون الطعن موجهاً إلى صحة العقد الذي يحتوي عليه.
من الناحية العملية، تؤكد هذه القاعدة على ضرورة إيلاء شرط التحكيم، عند صياغة العقود، نفس القدر من الاهتمام الذي توليه للالتزامات التجارية والمالية الرئيسية، لأن صحة الشرط وقابليته للفصل قد يكونان حاسمين في تحديد آلية حل النزاعات وحماية الحقوق التعاقدية عند نشوء نزاع.













