في الأيام الأخيرة، اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي في مصر، وعلى رأسها "تيك توك" و"فيسبوك" و"إنستغرام"، موجة واسعة من الصور الشخصية المُولَّدة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي يظهر فيها مستخدمون عاديون وهم يرتدون الزي العسكري لأفراد القوات المسلحة المصرية، برتب وشارات وأوسمة لم يحصلوا عليها، وفي مشاهد قتالية أو احتفالية لم يعيشوها. وقد لاقت هذه "التطبيقات" و"البرومبتات" رواجًا كبيرًا لدى فئة الشباب، باعتبارها نوعًا من الترفيه الرقمي أو التعبير عن الفخر الوطني والانتماء.
غير أن هذا الانتشار السريع، الذي يبدو للوهلة الأولى نشاطًا بريئًا لا يتجاوز حدود التسلية، يخفي وراءه مخاطر قانونية جسيمة قد لا يدركها كثير من مستخدمي هذه التقنية. فالقانون المصري لم يترك مسألة الأزياء والرتب والشارات الرسمية للقوات المسلحة والشرطة دون تنظيم، بل أحاطها بحماية جنائية خاصة تمتد آثارها لتشمل، بحسب الأحوال والظروف المحيطة بالواقعة، صورًا رقمية مولّدة اصطناعيًا لا تقل خطورة عن الزي الحقيقي، بل قد تفوقه خطرًا في ظل سهولة انتشارها وصعوبة تمييزها عن الحقيقة.
من هذا المنطلق، تطرح مجموعة الاستشارات الدولية للتدريب وأعمال المحاماة (ICG) هذا المقال التحليلي، بهدف توعية الأفراد والشركات والمؤثرين الرقميين بالحدود القانونية لهذه الظاهرة، واستعراض الأطر التشريعية التي تحكمها، وصولًا إلى الخدمات الاستشارية والقانونية التي يمكن أن تقدمها المجموعة لحماية عملائها من التعرض لمساءلة جنائية قد تكون غير متوقعة.
أولاً: لماذا تحظى الزي العسكري بحماية قانونية صارمة؟
لا ينظر المشرّع المصري إلى الزي العسكري والشارات والرتب العسكرية على أنها مجرد قطعة قماش أو رمز رسمي، بل كتجسيد لهيبة الدولة وسلطتها، ورمز لثقة المواطن في مؤسسة عسكرية وأمنية يُفترض أن تقتصر عضويتها على من اجتازوا إجراءات التسجيل والتأهيل والاعتماد الرسمي. لذا، فإن السماح لأي شخص بارتداء هذا الزي، ولو رمزياً أو افتراضياً أو من خلال صورة مُصطنعة، يُعدّ انتهاكاً لهذه الهيبة ويفتح الباب أمام احتمالات خطيرة، أبرزها:
- انتحال الشخصية: قد يتم استغلال هذا المظهر لخداع الآخرين أو كسب ثقة لا يستحقها صاحبه.
- التشهير بالمؤسسة العسكرية: من خلال سياقات أو استخدامات غير لائقة للزي العسكري.
- الارتباك الإعلامي والمعلومات المضللة: خاصة في ضوء انتشار الصور التي تولدها الذكاء الاصطناعي والتي يصعب تمييزها عن الصور الحقيقية، مما قد يؤدي إلى نشر معلومات أو انطباعات خاطئة حول التحركات العسكرية أو أفراد معينين.
- الاستغلال الأمني المحتمل: حذرت مصادر عسكرية وأمنية مراراً وتكراراً من مخاطر تداول الزي العسكري أو الأقمشة أو أشكالها، لأن ذلك قد يؤدي إلى استغلالها من قبل جهات أو عناصر معادية.
ثانياً: الإطار التشريعي الذي يحكم هذه الظاهرة في القانون المصري
قانون العقوبات
يُعد قانون العقوبات، الصادر بموجب القانون رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته، المرجع الأساسي في هذا الشأن، وتحديداً في المواد التالية:
- المادة 155: كل من يتدخل في وظيفة عامة، سواء كانت مدنية أو عسكرية، دون أن يكون لديه صفة رسمية من الحكومة أو إذن منها للقيام بذلك، أو يقوم بعمل من أعمال هذه الوظيفة، يعاقب بالسجن.
- المادة 156: تُعدّ هذه المادة حجر الزاوية في هذه المسألة، إذ تنص على أن «كل من يرتدي علنًا زيًا رسميًا دون أن يحمل الرتبة التي تخوّله ذلك، أو يحمل علنًا العلامة المميزة لوظيفة أو منصب دون وجه حق»، يُعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز سنة واحدة. ورغم أن الصياغة التقليدية للنص تشير إلى «الزي» نفسه، فإن الفقه القانوني يميل، عند تفسير النصوص الجنائية المتعلقة بالانتحال والتضليل، إلى مراعاة الغاية من التجريم، وهي حماية هيبة المنصب أو الرتبة العسكرية من الاستغلال أو التزوير، بغض النظر عن الوسائل التي يتم بها هذا الاستغلال، سواء أكانت تقليدية أم رقمية.
- المادتان 157 و 158: يُجرّم الحصول على الأوسمة والزخارف والألقاب والرتب بطريقة غير مشروعة.
قانون الأحكام العسكرية
بموجب المادة 5 (الفقرة ب) من قانون الأحكام العسكرية، يختص القضاء العسكري بالنظر في الجرائم المرتكبة ضد معدات القوات المسلحة ومهامها وأسلحتها وذخائرها ووثائقها وأسرارها، وكل ما يتعلق بها. ويعكس هذا مدى جدية تعامل المشرّع مع هذا النوع من السلوك، إذ ينقله من نطاق القضاء العادي إلى نطاق قضاء متخصص أكثر صرامة في إجراءاته وأحكامه.
قانون مكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات رقم 175 لسنة 2018
مع تطور هذه الظاهرة من مجرد "ارتداء زي" إلى "إنشاء ونشر" صور عبر الإنترنت، يصبح هذا القانون الإطار الأنسب لمقاضاة هذا النوع من السلوك. يُعرّف القانون "الأمن القومي" تعريفًا واسعًا يشمل كل ما يؤثر على استقلال الدولة ووحدتها وسلامة أراضيها. ويمنح السلطات المختصة صلاحية حجب المحتوى أو الحسابات التي تُشكل تهديدًا للأمن القومي أو تُعرّض البلاد للخطر. كما يُحدد القانون عقوبات جنائية على إنشاء أو إدارة أو استخدام حسابات أو مواقع إلكترونية بقصد ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها فيه أو التحريض عليها.
وبناءً على ذلك، فإن الصورة التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي والتي تظهر شخصًا يرتدي زيًا عسكريًا في سياق مضلل، أو يتم نشرها بطريقة توحي بصحتها وتثير الارتباك أو الذعر أو الشك بين الهيئات الرسمية، قد تندرج تحت هذا القانون، خاصة إذا كان النشر مصحوبًا بقصد الإساءة أو التضليل أو الإخلال بالنظام العام.
قوانين مكافحة الإرهاب
في سياقات أكثر حساسية، عندما يصاحب نشر مثل هذه الصور محتوى يتعلق بالعمليات العسكرية أو الأمنية الجارية، فإن تشريعات مكافحة الإرهاب تندرج تحت فئة المسؤولية، حيث تفرض هذه القوانين عقوبات شديدة على نشر أو الترويج للأخبار أو البيانات الكاذبة المتعلقة بالعمليات الإرهابية أو المواجهات الأمنية التي تنتهك البيانات الرسمية الصادرة عن السلطات المختصة.
ثالثاً: أين يكمن الخطر الحقيقي في صور "الذكاء الاصطناعي"؟
قد يتساءل البعض: أليست هذه مجرد صور مُولّدة رقميًا، لا علاقة لها بارتداء زيّ حقيقي، فكيف تخضع لنفس المنطق القانوني الذي يحكم الزيّ الحقيقي؟ يكمن الجواب في عدة اعتبارات أساسية:
- صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع: لقد وصلت تقنيات توليد الصور إلى مستوى عالٍ لدرجة أنه يصعب على العين المجردة، وأحيانًا حتى على الأدوات التقنية المتخصصة، التمييز بين الصور الحقيقية والمولدة، مما يجعل تأثيرها المضلل مشابهًا، إن لم يكن أكثر خطورة من الملابس الحقيقية.
- إعادة الاستخدام السياقي: يمكن إعادة استخدام صورة تم نشرها بقصد "الفخر الوطني" أو "الترفيه" من قبل جهات أخرى، داخل مصر أو خارجها، في سياقات مضللة أو مسيئة، لنشر الشائعات، أو حتى لأغراض الابتزاز أو انتحال الشخصية، خاصة إذا كانت الصورة تتضمن رتبًا أو شارات أو أسماء وحدات محددة.
- تجاوز الخط الفاصل بين "صورة السيلفي" و"انتحال الشخصية الرقمي": عندما يقوم شخص ما بإرفاق تعليق يشير إلى انتمائه الفعلي للقوات المسلحة، أو يستخدم الصورة في سياق تجاري أو إعلاني أو لتحقيق مكاسب أو مصداقية غير مشروعة، فإن القضية تتحول من "الترفيه" إلى سلوك قد يندرج تحت فئة انتحال الشخصية المجرم قانونًا.
- الاستخدام من قبل الأطراف المسيئة أو المعادية: هذا ما حذرت منه العديد من المصادر الأمنية المصرية، حيث يمكن استغلال تصاعد هذه الظاهرة لخلق حالة من الفوضى المعلوماتية، أو لنشر محتوى مضلل يصعب على عامة الناس دحضه بسرعة.
- البعد الدولي والعابر للحدود: الصور التي تولدها الذكاء الاصطناعي لا تعرف الحدود الجغرافية، إذ يمكن نشرها من داخل مصر وتتحول في غضون ساعات إلى مواد يتم تداولها على منصات دولية، ويمكن استخدامها في سياقات تتعلق بالأخبار الكاذبة حول النزاعات الإقليمية الجارية، مما يزيد من إمكانية تطبيق نصوص أكثر صرامة مثل تلك الواردة في قوانين مكافحة الإرهاب والأمن القومي.
رابعاً: من يتحمل المسؤولية القانونية؟
من المهم التأكيد على أن المسؤولية القانونية لا تقتصر بالضرورة على منشئ الصورة الأصلي، بل يمكن أن تمتد، تبعاً لظروف كل حادثة على حدة، إلى:
- الشخص الذي يظهر في الصورة، إذا ثبت أنه هو من قام بإنشائها أو طلب إنشائها ونشرها.
- أي شخص يعيد نشر الصورة أو يروج لها بطريقة توحي بصحتها أو يساهم في تضليل الجمهور، خاصة إذا كان لديه عدد كبير من المتابعين أو صفحة ذات طبيعة إخبارية أو إعلانية.
- الكيانات أو الحسابات التي تستخدم هذه الصور لأغراض تجارية أو إعلانية (مثل الترويج للتطبيقات أو المنتجات) دون تقديم شرح واضح لطبيعة الصورة الاصطناعية.
- مقدمو خدمات التطبيقات والمنصات التي تتيح إنشاء مثل هذه الصور، إذا ثبت أنهم كانوا على علم بإساءة استخدامها أو سهّلوا ذلك عمداً، وفقاً للمادة 36 من قانون مكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات المتعلقة بمسؤولية الأشخاص الاعتباريين.
خامساً: توصيات عملية للأفراد والمؤسسات
في ضوء ما سبق، توصي مجموعة الاستشارات الدولية للتدريب والخدمات القانونية (ICG) بما يلي:
- تجنب إنشاء أو نشر أي صور شخصية بالزي العسكري أو زي الشرطة، حتى لو كان ذلك لغرض الترفيه أو التعبير عن الانتماء الوطني، نظراً لغموض الخط الفاصل القانوني بين "التعبير البريء" و"انتحال الشخصية".
- يرجى الامتناع عن إرفاق هذه الصور بالرتب أو الشارات أو أسماء الوحدات الفعلية، لأن ذلك يشكل مخاطر إضافية.
- توخ الحذر الشديد عند إعادة نشر أو تداول أي صور مماثلة يتم تداولها على نطاق واسع، وتحقق من مصدرها قبل مشاركتها.
- ينبغي على شركات ومؤسسات الإعلام والإعلان تجنب استخدام هذا النوع من الصور في أي حملات تسويقية أو محتوى مؤسسي دون استشارة قانونية متخصصة.
- في حال تعرضك للمساءلة أو التحقيق بسبب صورة من هذا النوع، يجب عليك طلب المشورة القانونية المتخصصة على الفور، وعدم الإدلاء بأي تصريحات أو بيانات قبل ذلك.
سادساً: كيف يمكن لمجموعة ICG أن تكون شريكك القانوني في هذا الملف؟
انطلاقاً من اعتقاد مجموعة الاستشارات الدولية للتدريب والخدمات القانونية (ICG) بأن الوعي القانوني هو خط الدفاع الأول ضد المخاطر الرقمية الناشئة، تقدم المجموعة لعملائها، بمن فيهم الأفراد والشركات والمؤسسات الإعلامية والرقمية، حزمة متكاملة من الخدمات في هذا المجال، بما في ذلك:
- تقديم المشورة المسبقة للأفراد والمؤثرين ومنشئي المحتوى الرقمي حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى المتعلق بالرموز والزي الرسمي، لضمان تجنب الانتهاكات القانونية غير المقصودة.
- قم بمراجعة الحملات الإعلانية والمحتوى الترويجي للشركات والعلامات التجارية قبل نشره، للتأكد من خلوه من أي عناصر قد تثير مسؤولية جنائية أو مدنية، وخاصة فيما يتعلق باستخدام الصور أو الرموز ذات الطابع الرسمي أو العسكري.
- تمثيل الأفراد والمؤسسات أمام النيابة العامة والقضاء المختص (العادي أو العسكري، حسب الاختصاص القضائي) في القضايا المتعلقة بجرائم انتحال الشخصية، وارتداء الزي الرسمي بدون مبرر، أو الجرائم الإلكترونية المتعلقة بها، بدءًا من مرحلة التحقيق وحتى إصدار الحكم النهائي.
- تنظيم برامج تدريبية وورش عمل متخصصة، موجهة للشركات ووكالات التسويق الرقمي ومنشئي المحتوى، حول الأبعاد القانونية لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى المرئي، بما في ذلك حقوق الملكية الفكرية وحماية البيانات والمخاطر الجنائية المرتبطة بانتحال الرموز الرسمية.
- تقديم المساعدة للأفراد والشركات المتضررة من إساءة استخدام صورهم أو هويتهم البصرية عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، من خلال الإجراءات القانونية للإبلاغ عن المحتوى المخالف والمطالبة بإزالته، والتنسيق مع السلطات المسؤولة عن مكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات.
- تقديم المشورة القانونية للشركات الناشئة ومنصات التكنولوجيا العاملة في مجال توليد الصور باستخدام الذكاء الاصطناعي، حول كيفية وضع سياسات استخدام تحد من إساءة استخدام تقنياتها في إنتاج محتوى قد يشكل انتهاكًا للقانون المصري.
خاتمة
يُتيح التطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي آفاقًا واسعة للإبداع والتعبير الرقمي، ولكنه في الوقت نفسه يُحمّل الأفراد والمؤسسات مسؤوليات قانونية جديدة لم يكونوا على دراية بها من قبل. فما قد يبدو مجرد "موضة" عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، قد يتحول - دون أن يلاحظ صاحبه - إلى حادثة جنائية تستوجب المساءلة أمام المحاكم المدنية أو العسكرية.












